قائمة المدونات الإلكترونية

الثلاثاء، 20 يناير 2009

أين عمر

عمر بن الخطاب ، رجل ليس كالرجال !! ، عبقري ممتاز من خاصة الخليقة الذين لا يعدون في الزمن الواحد بأكثر من الآحاد !! ، قوي الجسد بائن الطول ، يمشي وكأنه راكب !! ، تملأ هيبته القلوب !! ، قلوب الذين يعرفونه ، وقلوب الذين لا يعرفونه !!. هيبة من قوة النفس قبل أن تكون من قوة الجسد . تشهد العيون ( وتشهد القلوب ) أنه معدن العظمة ، وقوة العبقرية ، ومتانة التكوين .عادل لأنه قوي ، ومستقيم لأنه عادل ، وحازم لأنه مستقيم ، بطل إذا لقى الأنداد ، ورحيم مع الضعفاء !! ، يرق للأرملة ذات العيال ( يحمل الدقيق ، وينفخ النار ويعد الطعام لصبيان يتضاغون من الجوع ) ، ويرق ليهودي ضرير فيأمر له بما يكفيه من بيت المال ، قائلا : والله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم . يرحم البهيم الذي لا يحسن الشكاية ، ويضرب رجلا يحمل جمله ما لا يطيق !!، ويقول : لو عثرت شاه بالعراق لخشيت أن يحاسب الله عمر ! .قوي النفس بالغا في القوة النفسية ، غيورا على الحق ، جياش العاطفة ، شديد الشكيمة ، فطنا عليما خبايا النفوس ، يحب أن يعرف الشر ليتقيه ، جامعا للحكمة ، يوافق بين الحاكم الذي لا يجب أن تخفى عليه خافية " احترسوا من الناس بسوء الظن " ، وبين عدل القاضي الذي لا ينبغي أن يحكم بغير بينة " اظهروا لنا أحسن أخلاقكم والله أعلم بالسرائر" .كثير المشاورة للصغار والكبار ، والرجال والنساء ، مشاورة من يعلم أن جوانب الآراء تتعدد ، يقول : " أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه " ، عاشره رجال من الدهاة فخبروه وحذروه ، فكان كما يصف نفسه " لست بالخب ( المخادع ) ، ولكن الخب لا يخدعني " . فراسة تكشف الخفايا وتستوضح البواطن وتستخرج المعاني ، ضرب من استيحاء الغيب واستنباط الأسرار بالنظر الثاقب ، والرؤيا والمكاشفة ، أو ما يسميه النفسيون اليوم بالتلباثي : يخطب في المدينة فيقطع الخطبة وينادي على قائد جيشه ، فيسمعون صوته على بعد آلاف الأميال وينفذون أمره !!.عادلا مفطورا على العدل وإعطاء الحقوق ، شديدا في الله بلا هوادة ، مهيبا رائع المحضر ، حتى في حضرة النبي الذي تتطامن عنده الجباة ، وأولها جبهة عمر !!. كان الأسود بن شريع ينشد النبي بعض الأماديح ، إذ دخل عليه عمر ، فاسكته النبي ( والشاعر لا يعرفه ) ، فصاح : وأثكلاه ، من هذا الذي أسكت له عند النبي ؟ ، فقال النبي : هذا عمر ، هذا رجل لا يحب الباطل !! .وتلك قصة تكبر عمر مرة ، وتكبر النبي مرات !! ، فلا يسمعها السامع فيخطر له أن محمدا (صلى الله عليه وسلم ) كان يقبل الباطل الذي يأباه عمر ، وإنما يفهم أن الإمام يطيق ما لا يطيقه المريد ، ويتسع صدره لما تضيق به صدور تابعيه ، ويريد – في الوقت نفسه - أن يعود الناس مهابة عمر !! ، ويستبقي له سورته في محاربة الضلال . النبي محمد صلى الله عليه وسلم يشفق على الشاعر اشفاق الرجل على سخف الطفل الصغير !! ، هذا هو الفارق بين نبي وخليفة ، والفارق بين إنسان عظيم ورجل عظيم ، فالنبي لا يكون رجلا عظيما وكفى ، بل إنسان عظيم ، أكبر من أن يلقى الضعف البشري لقاء الأنداد ، وأعذر من أن يلقاه لقاء القضاة !!، كما وصفه الله ، صلى الله عليه وسلم :" بالمؤمنين رؤوف رحيم "................يقول العقاد أن لكل شخصية إنسانية مفتاح يسهل – أو يصعب – الوصول إليه حسب اختلاف الشخصيات ، مثله مثل مفتاح البيت ، بدونه يكون البيت كالحصن المغلق . أما إذا كان معك هذا المفتاح تفتحت لك أبواب النفس الإنسانية ، لتنفذ إلى دخائلها ، وتعرف أسرارها ، وتفهم دوافعها !! . و" طبيعة الجندي " هنا هي مفتاح الشخصية العمرية . صفاتها الشجاعة ، والحزم والخشونة ، والغيرة على الشرف ، والنجدة والنخوة ، والطاعة والنظام ، وحب الإنجاز في حدود التبعات . انظر إلى هذه الخصائص جميعها ، هل تحتاج إلى التنقيب طويلا في نفس عمر ؟ ، كلها خصائص عمريه !! ، فهو الشجاع الحازم ، الصريح الخشن ، المطيع الغيور، المؤمن بالواجب والحق ، الموكل بالإنجاز ، العارف بالمسئوليات ، كلها خصائص واضحة في عمر غاية الوضوح .انظر إليه وهو يصلي فلا يكبر بالناس حتى يسوي الصفوف !!، ويرى الناس مجتمعين في المسجد أوزاعا متفرقين حول كل قارئ فيأمرهم أن يجتمعوا خلف قارئ واحد !! ، انظر إليه كيف يحمل الدرة لينبه المخالفين في الطريق ويذكرهم بهيبة القانون !!، انظر إليه وهو يرعى المراتب فينزل درجة من سلالم المنبر بعد أبي بكر لأن الخليفة الأول أحق منه بالتقديم !! .ذلك هو السمت العسكري بالفطرة التي فطر عليها ، وليس بالأسوة والتعليم . يأمر بتعلم الرمي والسباحة والفروسية والمصارعة ، وكل رياضة يتدرب عليها الجندي ، ويحب ما يحسن للجندي في بدنه وطعامه ، ويقول " إياكم والسمنة فإنها عقلة ( أي قيد وعقال ) !! ، ويأمر بالجد لأن " من كثر ضحكه قلت هيبته " ، ويمشي شديد الوطء على الأرض جهوري الصوت ، كما يمشي الجنود ، وإذا أرتقينا إلى شئون الحكم فهو الذي دون الدواوين ، وأحصى كل نفس في الدولة الإسلامية أدق إحصاء ، فما من رجل او امرأة أو طفل إلا عرف اسمه وحصته من بيت مال المسلمين !!، وما من مجاهد إلا عرف رتبته من السبق والتقديم ، وهو الذي جعل الجنود كتائب وبنود ، ولم يدبر تدبيرا كبيرا أو صغيرا في شئون الدولة إلا بنظام لا يحيد ، وحتى قضاؤه كان أشبه ما يكون بالقضاء العسكري في حسمه وسرعته ، هتفت امرأة باسم شاب وسيم وتمنت أن تشرب الخمر معه ، فأرسل إليه فوجده أصبح الناس وجها فحلق شعره فأزداد حسنا ، فأمره أن يعتم فزادته العمامة غواية ، فقال : لا يسكن معي رجل تهتف به العوائق في خدورها ، وزوده بمال وأرسله إلى البصرة في تجارة تشغله عن النساء وتشغل النساء عنه ! .في القضية جور ولا شك على نصر بن الحجاج ، ولكنه في سبيل مصلحة يرعاها الحكم العسكري - في زمان كزمان عمر - حكم فيه الصبغة العمرية التي سميناها مفتاح شخصيته ، وهي المقصودة بما نكتبه الآن .وكان له في قضائه ذلك الحزم الذي يقطع اللجاجة كلما اشتجر الخلاف ، كتب إليه أبو عبيده أن جماعة من دمشق شربوا الخمر وقالوا " إنا خيرنا فاخترنا ، قال : (هل أنتم منتهون ؟) ، ولم يعزم !! ، فطلب منه أن يدعوهم على رؤوس الأشهاد ويسألهم سؤالا لا يزيد ولا ينقص : أحلال الخمر أم حرام ؟ ، فإن قالوا حرام فليجلدهم ، وإن قالوا حلال فليضرب أعناقهم !!. فقالوا : بل حرام ، فجلدوا وتابوا .هكذا القضاء العمري في حسمه وحزمه ودلالته على الطبيعة العسكرية .......................وحتى فكاهاته كانت لها طابع الجندية !! ، منها مزحته المرعبة التي أطار بها لب الحطيئة ليكف عن هجاء المسلمين ، فدعا بمثقاب وشفرة ، يوهمه أنه سيقطع لسانه !! ، فضج الحطيئة وتشفع الحاضرون فيه ، ولم يطلقه إلا بعد أن اشترى أعراض المسلمين منه بثلاثة آلاف درهم ، وأخذ عليه عهدا لا يهجون أحدا بعدها ، فما هجا أحدا وعمر على قيد الحياة .فطبيعة الجندي في الفاروق تامة متكاملة بأصولها وفروعها ، هي أقرب مفتاح لتلك الشخصية العظيمة ، في سلوك دنياه كان يعيش عيشة المجاهد في ميدان الحرب ، فآثر الكفاف وشظف المعيشة !! ، وفي سلوك دينه كان موقفه بين يدي الله كوقفة الجندي الذي يعلم أنه سيؤدي الحساب بين يدي مولاه .ذلك هو الجندي في طبيعته المثلى ، وذلك هو الفاروق الذي لهجت بعدله الأجيال .

ليست هناك تعليقات: